ابن الجوزي
20
صفة الصفوة
نائلها رفضوه ، أو من رفعتها بغير الحق وضعوه . خلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها ، وخربت بينهم فليسوا يعمرونها ، وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها ، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم ، رفضوها وكانوا برفضها فرحين ، وباعوها ببيعها رابحين ، نظروا إلى أهلها صرعى قد حلّت بهم المثلات « 1 » فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة ، يحبون اللّه ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب . بهم قام الكتاب وبه قاموا ، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا ، وبهم علم الكتاب وبه علموا ، فليسوا يرون نائلا مع ما نالوا ، ولا أمانا دون ما يرجون ، ولا خوفا دون ما يحذرون . رواه الإمام أحمد « 2 » . وعن كعب « 3 » قال : « لم يزل في الأرض بعد نوح عليه السلام أربعة عشر يدفع بهم العذاب » رواه الإمام أحمد . وعن ابن عيينة « 4 » قال : عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة . قال محمد بن يونس « 5 » : ما رأيت للقلب أنفع من ذكر الصالحين .
--> ( 1 ) مفردها المثلة بفتح الميم وضم التاء : العقوبة والجمع المثلات . ( انظر مختار الصحاح ص 615 ) . ( 2 ) هاتان الروايتان هما من الإسرائيليات لأن كعب الأحبار ووهب بن منبه كثيرا ما أوردا في أقوالهم هذه الإسرائيليات لعلمهم بها . ( 3 ) مرت ترجمته . ( 4 ) هو شيخ الحجاز وأحد الأعلام أبو محمد بن سفيان بن عيينة الهلالي مولاهم الكوفي الحافظ نزيل مكة ، قال الشافعي : لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز ، وقال ابن وهب : لا أعلم أحدا أعلم بالتفسير من ابن عيينة ، وقال أحمد العجلي : كان حديثه نحوا من سبعة آلاف حديث لم يكن له . توفي في الأول من رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة . ( انظر شذرات الذهب ص 354 ج 1 ) . ( 5 ) هو عماد الدين محمد بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك ، قال ابن خلكان : كان إمام وقته في المذهب والأصول والخلاف ، وكان له صيت عظيم في زمانه ، صنف المحيط ، جمع فيه بين المهذب والوسيط وكان ذا ورع ، قال ابن شهبة : كان لطيف المحاورة دمث الأخلاق . توفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وستمائة للهجرة . ( انظر شذرات الذهب ص 34 ج 5 ) .